أحمد بن محمد ابن عربشاه

446

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وكل من لم يفتكر في العواقب قبل حلولها ، ويتأمل في تداركها بقدر الطاقة قبل نزولها ، ويطمئن إلى سكون الزمان ، ويسند ظهره إلى مسند الحدثان « 1 » ، ويحيل الكوائن على القضاء والقدر ، ويرفع يد التدبير عن تعاطى أسباب الحذر ، كان كمن ترك إحدى زاملتيه فارغة « 2 » ، وحشا الأخرى من الأحجار الثقيلة الدامغة ، فأنى يستقيم محمله أو يبلغ منزله ، فلا يزال حمله مائلا وخطبه هائلا ؛ فالعاقل يسعى فيما يظن نفعه ، ويبذل في ذلك غاية جهده ووسعه ، ولا يترك الطلب ولا يغفل عن السبب ، ويعمل بموجب ما قيل : فلا وأبيك لا أدع احتياطى * وما لي في قضاء اللّه حيلة وعلى كل حال يا ربة الحجال ، تعاطى الأسباب لا يقدح في الاتكال ، وناهيك يا مليحة العمل ، حكاية الحمار مع الجمل ، فسألت غرغرة أن يبين ذلك ويذكره . [ 77 ] [ الحمار والجمل : ] قال : بلغني أنه ترافق في المسير عير مع بعير ، فكان الحمار كثير العثار ، مع أن عينيه تراقب مواطئ رجليه ، وكان الجمل على عظم هامته وعلو قامته ، وبعد عينيه عن مواطئ يديه ورجليه ، لا تزل له قدم ولا يصل إليه ألم ، فقال الحمار للبعير : أيها الرفيق الكبير ما بالى في المسير كثير التعثير دائم الوقوع والزلل ، والعثار والخطل « 3 » ، لا أخلو من حجر يدمى منى الحافر ، أو عثرة ترمينى في حفرة حافر ، مع أن عيني تراقب يدي ولا تنظر سواهما إلى شيء ، وأنت لا تنظر مواطئ أخفافك ، ولا تعرف على ما ذا تقع رؤوس أطرافك ، لا حجر يصيب خفك ، ولا شوكة تخرق كفك ، ولا جورة « 4 » تقع فيها ولا تختل عن طريق تمشيها ، ولا أدرى هذا مما ذا .

--> ( 1 ) الحدثان : نوائب الدهر . ( 2 ) الدابة من الإبل وغيرها يحمل عليها . ( 3 ) أي الاضطراب والوقوع في محذور . ( 4 ) الحفرة .